السيد نعمة الله الجزائري

338

عقود المرجان في تفسير القرآن

اعلم أنّ أهل الأديان وأرباب الملل اتّفقوا على عذاب النار وثواب الجنّة كما نطقت به الآيات والأخبار . وأمّا حكماء الفلاسفة ، فقد أطبقوا على نفيه . قال شارح المقاصد في تقرير مذهبهم في الجنّة والنار والثواب والعقاب : أمّا القائلون بعالم المثل ، فيقولون بالجنّة والنار وسائر ما ورد به الشرع من التفاصيل ولكن في عالم المثل لا من حيث المحسوسات المحضة على ما يقول به الإسلاميّون . وأمّا الأكثرون فيجعلون ذلك من قبيل اللّذّات والآلام العقليّة . وذلك أنّ النفوس البشريّة سواء جعلت أزليّة ، كما هو رأي أفلاطون ، أو لا ، كما هو رأي أرسطو ، فهي أبديّة عندهم لا يفنى بخراب البدن بل تبقى ملتذّة بكمالاتها مبتهجة بإدراكاتها ، وذلك سعاداتها وثوابها وجنانها على اختلاف المراتب وبتفاوت الأحوال ، أو متألّمة بفقد الكمالات وفساد الاعتقادات ، وذلك شقاوتها وعقابها ونيرانها على ما لها من اختلاف التفاصيل . وإنّما لم تتنبّه لذلك في هذا العالم لاستغراقها في تدبير البدن وانغماسها في كدورات عالم الطبيعة . فما ورد في لسان الشرع من تفاصيل الثواب والعقاب وما يتعلّق بذلك في السمعيّات ، فهي مجازات وعبارات عن تفاصيل أحوالها في السعادة والشقاوة واختلاف أحوالها في اللّذّات والآلام والتدرّج فيما لها من دركات الشقاوة إلى درجات السعادة . فإنّ الشقاوة السرمديّة إنّما هي بالجهل المركّب الراسخ والشرارة المضادّة للملكة الفاضلة لا الجهل البسيط والأخلاق الخالية عن غايتي الفضل والشرارة . فإنّ شقاوتها منقطعة بل ربما لا تقتضي الشقاوة أصلا . ثمّ طوّل في تفصيل مقالاتهم . وهذا الاعتقاد بمراحل من الشرائع وكلام المرسلين وهم لها نافون . « وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ » . [ 19 ] [ سورة الحج ( 22 ) : آية 19 ] هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ ( 19 ) « خَصْمانِ » . الخصم يستوي فيه الواحد والجمع والذكر والأنثى . قيل : نزلت في ستّة نفر من المؤمنين والكفّار تبارزوا يوم بدر ؛ وهم : عليّ وحمزة وعبيدة بن الحارث ، والكفّار